تمويل

ما بعد علاوة الكيمتشي: التحول المؤسسي في كوريا

منذ سنوات، كانت نظرة العالم إلى سوق العملات الرقمية في كوريا الجنوبية تركز على شيء واحد فقط: “علاوة الكيمتشي” وهي الفارق الكبير في الأسعار بين كوريا وبقية الأسواق العالمية بسبب تداول المضاربين الأفراد. لكن هذه الصورة تتغير بسرعة كبيرة اليوم.

يقود هذا التحول أندرو بارك، الرئيس التنفيذي لشركة فاكتبلوك ومنظم مؤتمر أسبوع البلوك تشين في كوريا. بارك لديه خبرة عشرين عاماً في التمويل التقليدي قبل دخوله عالم الويب 3، حيث شغل مناصب قيادية في شركات كبرى مثل جي بي مورغان تشيس وفيزا وأمريكان إكسبريس.

من وجهة نظره، كوريا الجنوبية تتخلى بهدوء عن صورتها كسوق للمضاربة السريعة، وتتحول إلى مركز رئيسي لاختبار التمويل الرقمي المؤسسي. والدليل على هذا التطور ليس في أحجام التداول، بل في طبيعة الأسئلة التي تصل من الشركات العالمية.

يقول بارك: “قبل سنوات قليلة، كانت الشركات العالمية القادمة إلى كوريا مهتمة فقط بالعملات الرقمية والتداول والأسعار. أما اليوم فالأسئلة مختلفة تماماً. المؤسسات المالية العالمية تسأل عن خدمات الحفظ الرقمي، والترميز، والعملات المستقرة، وبنية المدفوعات والتسوية، والقوانين التنظيمية، وكيفية دخول السوق الكورية. تغيّر طبيعة المحادثات نفسها هو إشارة مهمة على أن طبيعة السوق تتغير أيضاً”.

هذا التحول يعكس تغيراً جوهرياً في نظرة رأس المال العالمي للمنطقة. فبدلاً من النظر إلى سيول كمكان لإدراج الأصول وبيعها للمتداولين الأفراد، ترى البنوك العالمية وشركات إدارة الأصول كوريا الآن كسوق جاهزة للتطبيق المؤسسي. انتقل الحديث من المضاربة إلى الوصول للسوق، والامتثال القانوني، والحفظ المؤسسي — وهي الأساسيات التي تقوم عليها الأسواق المالية التقليدية.

العمل الجاد في البنية التحتية

بينما تركز أسواق العملات الرقمية على العناوين الكبيرة والارتفاعات المفاجئة، يؤكد بارك أن التحول المؤسسي الحقيقي لا يُبنى في التقلبات، بل من خلال حل المشكلات التقنية اليومية خطوة بخطوة.

يوضح بارك: “الأسواق المؤسسية لا تُصنع بإعلان واحد كبير. هي تظهر عندما تبدأ حل مشكلات أقل بريقاً مثل الوصول للحسابات، والحفظ، والمدفوعات، والتسويات، والمحاسبة، والامتثال — واحدة تلو الأخرى. في كوريا، هذه الأسس بدأت تتحرك في نفس الوقت”.

يتم بناء هذه البنية التحتية عبر عدة جبهات تنظيمية. فقد وضعت لجنة الخدمات المالية إطاراً لفتح حسابات العملات الرقمية للشركات أمام حوالي 3500 شركة مدرجة ومستثمرين محترفين معتمدين.

كما تم تعديل قانون الأوراق المالية الإلكترونية وقانون أسواق رأس المال، مما وضع الأصول الرقمية المرمزة في إطار قانوني موحد. وأكمل البنك المركزي الكوري تجاربه الأولية لعملات الإيداع الرقمية كجزء من مشروع “هانغانغ”، استعداداً للمرحلة الثانية من الاختبارات المؤسسية.

بدلاً من انتظار قانون شامل واحد، كوريا تبني السيولة المؤسسية بحل المشكلات التقنية المملّة: التسوية النهائية القانونية، والتعريفات المحاسبية، والحفظ المؤسسي.

خبرة بارك في جي بي مورغان وفيزا وسامسونج كارد تمنحه رؤية دقيقة لنقاط الاحتكاك بين وول ستريت ومنطقة يوييدو المالية في سيول وعالم الويب 3. بينما ينتقد مؤسسو العملات الرقمية البنوك التقليدية بأنها بطيئة تقنياً، يشير بارك إلى أن البرمجيات المصرفية مبنية حول أولويات تشغيلية مختلفة تماماً.

يقول بارك: “العملات الرقمية تسيء فهم البنوك. البنوك ليست بطيئة لأنها لا تفهم التكنولوجيا. في التمويل التقليدي، المهم ليس الـ 99% من المعاملات التي تعمل بشكل طبيعي، بل ما يحدث في الـ 1% المتبقية. من المسؤول عند حدوث احتيال؟ ماذا يحدث عندما تفشل دفعة؟ كيف تُدار رأس المال والسيولة؟ ما الذي يجب إبلاغه للجهات التنظيمية؟ كل هذه الأمور يجب أن تكون مدمجة في النظام”.

اقتصاد الآلة: الذكاء الاصطناعي والتسوية الرقمية

على الجانب الآخر، تعاني المؤسسات المالية التقليدية من رؤية ضيقة معاكسة: تقييم الأصول الرقمية فقط من خلال تقلبات الأسعار. بالتركيز فقط على مخاطر السوق، تفوت هذه المؤسسات الفائدة الحقيقية لشبكات التسوية العالمية التي تعمل 24 ساعة، والبرمجيات القابلة للبرمجة، وأنظمة المقاصة الذكية.

في رأي بارك، مستقبل التمويل المؤسسي في كوريا لن يكون لشركات الويب 3 الناشئة التي تحاول استبدال البنوك، ولا للمؤسسات المحافظة التي تتجاهل البلوك تشين العام. سيكون للجسور التي تستطيع إدارة نسبة الـ 1% من المعاملات الفاشلة على السلسلة.

بعيداً عن الأوراق المالية المرمزة والعملات المستقرة التي تصدرها البنوك، يرى بارك أن المرحلة القادمة لكوريا ستكون عند تقاطع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية القابلة للبرمجة.

يقول بارك: “ما يهمني أكثر هو البنية التحتية لاقتصاد الآلة، خصوصاً البيئة التي يمكن فيها لوكلاء الذكاء الاصطناعي إجراء المعاملات والمدفوعات بشكل مستقل. إذا كان وكيل ذكاء اصطناعي بحاجة لدفع مبلغ لوكيل آخر أو خدمة، فهو يحتاج محفظة ووسيلة دفع. في بيئة يشتري فيها عدد كبير من وكلاء الذكاء الاصطناعي البيانات ويستهلكون موارد الحوسبة ويقومون بمدفوعات صغيرة في الوقت الفعلي، قد تصبح البنية التحتية الحالية غير فعالة. لهذا السبب يمكن أن تصبح العملات المستقرة والمدفوعات على السلسلة حالات استخدام مهمة”.

هذا التحول النظري يخضع بالفعل لاختبارات مبكرة. في التجارب التقنية المحيطة بمشاريع البنك المركزي الكوري، اختبر الباحثون نماذج ذكاء اصطناعي تستخدم عملات الإيداع بالجملة لتنفيذ معاملات مشروطة تلقائياً. مع انتشار الإنترنت عالي السرعة في كوريا، والمعرفة الرقمية العميقة، والاستثمارات الكبيرة في بنية الويب 3 وتطوير الذكاء الاصطناعي، تحتل شبه الجزيرة الكورية موقعاً فريداً.

المرحلة القادمة لسوق كوريا لن تكون فقط عن المستثمرين المؤسسيين الذين يشترون الأصول الرقمية — بل ستكون عن برمجيات ذكية مستقلة تستخدم شبكات التسوية الرقمية كشبكة مالية افتراضية لها.

أسئلة شائعة

ما هي “علاوة الكيمتشي” وما علاقتها بالسوق الكوري؟
علاوة الكيمتشي هي الفارق في أسعار العملات الرقمية بين البورصات الكورية والأسواق العالمية، وكانت تعكس تركيز كوريا على المضاربة من قبل المتداولين الأفراد. هذه العلاوة تتلاشى الآن مع تحول السوق نحو التمويل المؤسسي.

كيف تتحول كوريا من سوق مضاربة إلى مركز مالي مؤسسي؟
من خلال حل المشكلات التقنية الأساسية مثل الحفظ الرقمي، والتسويات القانونية، والامتثال التنظيمي، وفتح حسابات الشركات، وتعديل القوانين لتشمل الأصول الرقمية المرمزة والعملات المستقرة.

ما هو دور الذكاء الاصطناعي في مستقبل التمويل الرقمي في كوريا؟
الذكاء الاصطناعي سيمكن وكلاء برمجيين مستقلين من إجراء معاملات ومدفوعات تلقائية، مما يجعل العملات المستقرة والمدفوعات على السلسلة أدوات أساسية لاقتصاد الآلة الجديد.

مالك الاستثمار

مستشار مالي ذو خبرة واسعة، يساعد المستثمرين على اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة ومبنية على بيانات دقيقة.
زر الذهاب إلى الأعلى