تصفية السندات الطويلة الأجل تفرض محاسبة مالية قاسية

شهدت أسواق السندات العالمية موجة بيع واسعة دفعت العائدات طويلة الأجل إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، وفي بعض الحالات منذ عقود. حيث بلغت عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا حوالي 5.25%، وهي أعلى نسبة منذ عام 2001، بينما اقتربت عائدات السندات الألمانية لأجل 30 عامًا من 3.73%، وهي الأعلى منذ عام 2011.
كتب الصحفي والمحرر المالي الألماني هولجر زشابيتز على منصة إكس: “صباح الخير من ألمانيا، حيث يرسل سوق السندات رسالة لا لبس فيها: عائدات السندات الألمانية لأجل 30 عامًا ارتفعت إلى 3.73%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2011. ألمانيا الآن تدفع تكاليف اقتراض لم نشهدها منذ عصر أزمة اليورو. عصر المال فائق الرخص أصبح من الماضي”.
كما عادت عائدات السندات الفرنسية طويلة الأجل إلى مستويات كانت سائدة خلال الأزمة المالية العالمية. وفي اليابان، ارتفعت عائدات السندات الحكومية لأجل 5 سنوات فوق 2.14%، وهو كسر واضح لسنوات من السياسة النقدية المصطنعة والميسرة.
المستثمرون يطالبون بعوائد أعلى
عائد السندات هو السعر الذي تدفعه الحكومات للمستثمرين مقابل أموالهم. عندما تقفز العائدات، تنخفض أسعار السندات، ويصبح الاقتراض أكثر تكلفة بسرعة.
لأكثر من عقد بعد الأزمة المالية في 2008، ثبتت البنوك المركزية أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة وابتلعت كميات ضخمة من الديون الحكومية. هذا الإجراء فرض عوائد أقل، حتى وصلت إلى ما دون الصفر في أوروبا واليابان. وجاءت الجائحة لتضاعف هذا النهج: الحكومات اقترضت بحرية بينما أبقى البنك المركزي السوق بعيدًا عن طرح الأسئلة الصعبة.
لكن هذا الترتيب بدأ يتفكك الآن. المستثمرون الذين يقرضون لعقود طويلة يريدون الآن حماية من التضخم والطروحات الحكومية المتزايدة وانخفاض القوة الشرائية للأموال التي سيستردونها لاحقًا.
علق روبن بروكس، الخبير الاقتصادي في معهد بروكينجز، قائلاً: “ارتفاع كبير في عائدات السندات الحكومية طويلة الأجل للدول الأوروبية ذات الديون المرتفعة هذا الأسبوع، فرنسا هي الأكثر لفتًا للانتباه، مع تحرك العوائد الآجلة لمدة 10-10 سنوات و10-20 سنة إلى مستويات قياسية جديدة”.
أسواق الديون تبدأ في تحديد الاتجاه
نقطة الضغط الأساسية هي السياسة المالية، والفجوة المتسعة بين الإنفاق الحكومي والإيرادات الضريبية. الولايات المتحدة وفرنسا واليابان والدول المتقدمة الأخرى تراكمت عليها ديون ضخمة مع زيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية والطاقة وتكاليف شيخوخة السكان.
في الولايات المتحدة، تجاوزت تكاليف الفائدة الفيدرالية السنوية تريليون دولار في الإحصاءات الأخيرة. كل دورة إعادة تمويل تثبت أسعار فائدة أعلى، محولة ديون الأمس إلى مشكلة ميزانية للغد.
فرنسا تواجه أزمتها السياسية والميزانياتية الخاصة. حيث راقبت مكاتب السندات عن كثب محادثات الإنفاق والتوقعات المتعلقة بالديون، مما ساهم في دفع العوائد الفرنسية للارتفاع مقارنة بالسندات الألمانية المرجعية.
أما ألمانيا، التي طالما اعتبرت المقترض الأكثر أمانًا في منطقة اليورو، فهي تخطط لإنفاق أكبر على البنية التحتية والدفاع، ما يعني مزيدًا من المعروض من السندات، أو مزيدًا من سندات الحكومة التي تتنافس على أموال المستثمرين.
البنوك المركزية تنسحب من السوق
تحركات اليابان يصعب تجاهلها، لأن بنك اليابان قضى سنوات في كبح العوائد من خلال سياسة التحكم بمنحنى العائد، وهي سياسة تهدف لإبقاء تكاليف الاقتراض منخفضة. ومع تخليه التدريجي عن هذا النظام، تعيد الأسواق تسعير العوائد عند مستويات أعلى مع دعم رسمي أقل بكثير.
قال حساب Wealthmoose على منصة إكس: “المال الرخيص كان مؤقتًا، أما الديون فدائمة. الآن سوق السندات يرسل الفاتورة”.
نفس التغيير يحدث في أماكن أخرى. فقد خفض الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى حيازاتها من السندات من خلال التشديد الكمي، مما أزال مشتريًا ضخمًا من السوق.
الحكومات تغرق السوق بالسندات بينما تشتري البنوك المركزية أقل. يمكن للمستثمرين من القطاع الخاص شراء هذه السندات، لكن فقط بعائد أعلى. هذا التعويض الإضافي هو “علاوة الأجل”، وهي الرسوم الإضافية مقابل حجز الأموال في سند طويل الأجل.
الفاتورة تصل إلى ما هو أبعد من ميزانيات الحكومات
العوائد طويلة الأجل المرتفعة تؤثر أولاً على الأسر من خلال أسعار الرهن العقاري. في الولايات المتحدة، غالبًا ما تتبع أسعار الرهن العقاري لأجل 30 عامًا عوائد سندات الخزانة، مما يجعل شراء المنازل وإعادة التمويل أكثر تكلفة.
الشركات تواجه أسعار فائدة أعلى عند إصدار ديون طويلة الأجل. كما تتأثر الأسهم سلبًا لأن العوائد الأعلى على السندات تنافس على النقد وتقلل القيمة الحالية التي يعطيها المستثمرون للأرباح البعيدة. المدخرون وصناديق التقاعد وشركات التأمين يمكنهم كسب المزيد من السندات، لكن التحول مؤلم للحكومات والمقترضين الذين تربوا على عصر المال الرخيص.
أسئلة شائعة
س: لماذا ترتفع عائدات السندات الحكومية طويلة الأجل الآن؟
ج: يرجع ذلك بشكل أساسي إلى تراجع البنوك المركزية عن شراء السندات، مع زيادة الحكومات في الاقتراض لتمويل العجز والإنفاق على الدفاع والبنية التحتية. المستثمرون يطالبون الآن بعوائد أعلى كتعويض عن مخاطر التضخم وانخفاض القوة الشرائية مستقبلًا.
س: كيف تؤثر العوائد المرتفعة على المواطن العادي؟
ج: العوائد المرتفعة على السندات الحكومية تؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة على القروض العقارية وقروض الأعمال، مما يجعل الاقتراض أكثر تكلفة للعائلات والشركات، وقد يؤثر أيضًا على أداء أسواق الأسهم.
س: هل هذه التغيرات مؤقتة أم دائمة؟
ج: تشير التصريحات والتوجهات في الأسواق إلى أن عصر الفائدة المنخفضة للغاية والمال الرخيص قد انتهى. مع استمرار الحكومات في الاقتراض الكبير وتراجع دعم البنوك المركزية، يُرجح أن تبقى العوائد مرتفعة لفترة طويلة.












