العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي وشركات المراهنات تقود الإنفاق القياسي في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية

تشهد الساحة السياسية الأمريكية تحولاً جذرياً في مصادر التمويل، حيث تقود شركات العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي والمراهنات الرياضية عبر الإنترنت موجة إنفاق غير مسبوقة على انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.
كشفت بيانات حديثة أن الإنفاق المؤسسي على سباقات مجلسي النواب والشيوخ بلغ 517 مليون دولار خلال الخمسة عشر شهراً الماضية، متجاوزاً بالفعل إجمالي ما أنفقته الشركات في دورة انتخابات 2024 بأكملها والذي وصل إلى 461 مليون دولار.
يمثل هذا الارتفاع تحولاً كبيراً في ملامح النفوذ السياسي للشركات في واشنطن، حيث تستخدم صناعات كانت ناشئة أو غير موجودة قبل جيل مضى قوتها المالية المتزايدة لدعم المرشحين والتأثير على القوانين التي تنظم أعمالها.
إنفاق قياسي يسبق الموعد النهائي
أظهرت بيانات منظمة “بوبليك سيتيزن” المعنية بمتابعة تمويل الحملات الانتخابية أن الشركات الأمريكية أنفقت 517 مليون دولار على سباقات الكونغرس حتى نهاية الربع الأول، وذلك قبل فترة الذروة التي تسبق انتخابات الثالث من نوفمبر حيث من المتوقع أن يتسارع الإنفاق بشكل أكبر.
وتشير توقعات “أدإمباكت” إلى أن إجمالي الإنفاق الإعلاني السياسي قد يصل إلى 11.6 مليار دولار خلال هذه الدورة الانتخابية، محطماً الرقم القياسي السابق البالغ 11.2 مليار دولار المسجل في دورة 2023-2024، وتشمل هذه الأرقام إنفاق الأثرياء والنقابات العمالية والجماعات الاجتماعية وليس الشركات فقط.
العملات المشفرة تقود النهج الجديد
تبرز شركات العملات المشفرة كأكثر اللاعبين نشاطاً في هذا المشهد الجديد، حيث بلغت تبرعات قطاعات التشفير والتكنولوجيا والألعاب عبر الإنترنت 294 مليون دولار على الأقل من إجمالي الإنفاق المؤسسي على سباقات التجديد النصفي منذ يناير 2025.
يعتمد القطاع بشكل كبير على “لجان العمل السياسي الكبرى” (سوبر باكس) والمنظمات غير الربحية التي تسمح بقبول تبرعات غير محدودة، رغم أنها لا تستطيع التبرع مباشرة للمرشحين أو التنسيق مع حملاتهم، وبدلاً من ذلك تنفق الأموال على الإعلانات والحملات التوعوية والفعاليات الانتخابية.
برز هذا الاستراتيجية بوضوح خلال انتخابات 2024 عبر منظمة “فيرشيك” التي يدعمها بشكل أساسي كل من “كوينبيس” و”ريبل” وصندوق رأس المال الاستثماري “أندريسن هورويتز”، حيث ابتعد القطاع عن النموذج التقليدي القائم على دعم حزب واحد، مفضلاً دعم المرشحين حسب مواقفهم تجاه العملات المشفرة سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين، ومعارضة السياسيين المعادين لهذا القطاع.
بدأت “فيرشيك” دورة انتخابات 2026 بميزانية قدرها 193 مليون دولار، ولا تزال تملك حوالي 130 مليون دولار للإنفاق، وفقاً للملفات الرسمية. كما أن إيلون ماسك، مؤسس شركة سبيس إكس، أنفق بالفعل أكثر من 90 مليون دولار على انتخابات 2026 الفيدرالية وخطط لمزيد من الإنفاق قبل نوفمبر، بينما أنفق سيرجي برين، المؤسس المشارك لجوجل، أكثر من 106 ملايين دولار في كاليفورنيا حول قضايا من بينها ضريبة الثروة المقترحة.
الذكاء الاصطناعي يدخل المعترك السياسي
شهدت هذه الدورة الانتخابية دخولاً قوياً لشركات الذكاء الاصطناعي إلى الساحة السياسية، فبعد أن كان حضورها شبه معدوم في انتخابات 2024، أنفقت مجموعات مرتبطة بشركتي “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” ومديريهما التنفيذيين أكثر من 23 مليون دولار في يونيو وحده لدعم مرشحين ديمقراطيين متنافسين في منطقة بنيويورك.
يعكس هذا النشاط السياسي اختلافات الرؤى داخل قطاع الذكاء الاصطناعي حول كيفية تنظيمه. وذكرت تقارير أن لجنة العمل السياسي الكبرى “ليدرينغ ذا فيوتشر” المخصصة لدعم أجندة الذكاء الاصطناعي جمعت 140 مليون دولار للانتخابات النصفية، مع تبرعات كبيرة من غريغ بروكمان، المؤسس المشارك لأوبن إيه آي، وزوجته آنا. لكن أوبن إيه آي تؤكد أنها لا تمول أو توجه أنشطة هذه المجموعات، وأن موظفيها أحرار في التبرع السياسي بشكل شخصي.
أما شركة أنثروبيك، فقد تبرعت بأكثر من 40 مليون دولار خلال الدورة الانتخابية من خلال المنظمة غير الربحية “بوبليك فرست أكشن” التي جمعت 100 مليون دولار، وتشير الشركة إلى أن هذه التبرعات تهدف لتثقيف الجمهور حول السياسات وليس دعم أو معارضة مرشحين محددين.
يلاحظ المراقبون أن نهج قطاع الذكاء الاصطناعي يشبه الاستراتيجية السياسية التي ابتكرتها العملات المشفرة، حيث تركز الصناعات الناشئة على المرشحين الذين يدعمون أولوياتها السياسية بدلاً من الالتزام الصارم بالخطوط الحزبية التقليدية.
المراهنات الرياضية تحذو حذو التشفير
ترفع شركات المراهنات الرياضية عبر الإنترنت من إنفاقها السياسي في ظل اهتمام تنظيمي متزايد بهذا القطاع سريع التوسع. وقد تبرعت شركات “درافت كينغز” و”فان دويل” و”فاناتيكس” و”بيت365″ البريطانية بأكثر من 72 مليون دولار للانتخابات النصفية، مما يجعل المراهنات الرياضية ثالث أكبر قطاع متبرع في الدورة الانتخابية الحالية.
توجه معظم هذا الإنفاق عبر لجنتين للعمل السياسي هما “الصندوق المحافظ الأمريكي” و”المستقبل الأمريكي”، وتركز المجموعتان على السباقات على مستوى الولايات حيث تواجه شركات المراهنات تدقيقاً تنظيمياً كبيراً. كما دخلت منصة “بوليماركت” لتداول التوقعات الساحة السياسية بتبرع بقيمة مليون دولار لصندوق القيادة في الكونغرس، وهو لجنة عمل سياسي كبرى جمهورية يدعمها رئيس مجلس النواب مايك جونسون.
انتقادات متزايدة لتأثير المال في السياسة
يثير هذا التصاعد في الإنفاق المؤسسي مخاوف لدى مراقبي تمويل الحملات من أن تحصل مجموعة صغيرة من الصناعات والأثرياء على نفوذ غير متناسب على صنع السياسات، حيث يرى النقاد أن هذا الفيضان من الأموال قد يدفع قضايا مثل تنظيم العملات المشفرة والإشراف على الذكاء الاصطناعي إلى المقام الأول في جدول الأعمال على حساب المصالح العامة.
تظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين يعتقدون أن هناك أموالاً كثيرة جداً في السياسة، وقد بنى بعض مرشحي مجلس الشيوخ الديمقراطيين، مثل جيمس تالاريكو في تكساس وعبدول إل سعيد في ميشيغان، حملاتهم الانتخابية على معارضة نفوذ المانحين الأثرياء والشركات في واشنطن.
الأسئلة الشائعة
ما هي الصناعات الجديدة التي تقود الإنفاق السياسي في انتخابات 2026 الأمريكية؟
تتصدر شركات العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي والمراهنات الرياضية عبر الإنترنت قائمة الإنفاق السياسي، حيث تجاوزت تبرعات هذه القطاعات مجتمعة 294 مليون دولار، مما يعكس تحولاً في مصادر النفوذ المالي من الصناعات التقليدية كالبنوك والأدوية إلى قطاعات التكنولوجيا الناشئة.
كيف تختلف استراتيجية التبرع لهذه الصناعات الجديدة عن النموذج التقليدي؟
لا تلتزم هذه الصناعات بالانحياز الحزبي التقليدي، بل تدعم المرشحين بناءً على مواقفهم من قضايا محددة مثل تنظيم العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي، وتستخدم لجان العمل السياسي الكبرى والمنظمات غير الربحية لتوجيه تبرعات غير محدودة.
هل يؤثر هذا الإنفاق المتزايد على نتائج الانتخابات والسياسات العامة؟
يعتقد المراقبون أن هذا الإنفاق يمنح هذه القطاعات نفوذاً كبيراً على القوانين المنظمة لأعمالها، لكنه يثير مخاوف من تأثير غير متوازن للأموال على صنع القرار، خاصة مع استطلاعات تظهر رغبة غالبية الأمريكيين في تقليص دور المال في السياسة.












