هل أسواق التوقعات أصبحت ماهرة جداً في أخذ الأموال؟

يشهد قطاع أسواق التوقعات نمواً هائلاً يصعب تجاهله، مع رهانات غريبة بين الحين والآخر، وشعبية متزايدة بين جيل جديد من المتداولين، ونقاشات تنظيمية مستمرة. لكن بينما يتركز الاهتمام على ما إذا كانت هذه أدوات رهان أم معاملات مالية، هل نطرح الأسئلة الصحيحة؟ أم أن هناك قضية أعمق تكمن خلف كل هذا؟
الغرض الحقيقي من الأسواق العامة
لو عدنا بالزمن إلى الوراء، فلنتذكر أن الأسواق العامة صُممت أساساً لجمع البائعين والمشترين الراغبين في التعامل مع بعضهم، وللمساعدة في الوصول إلى سعر عادل للصفقة، ثم تنسيق العملية لضمان إتمام التسوية بنجاح. كان السوق، إلى جانب الأطراف المتخصصة مثل الوسطاء ووكلاء الحفظ، يحصل على عمولة مقابل جهوده في الصفقة، مما منح الجميع ثقة في عدالة العملية. الأهم من ذلك، كان السوق بمثابة منفعة مشتركة، حيث لعب جميع المشاركين دوراً في عملية اكتشاف الأسعار العادلة، مما ساهم في كفاءة السوق بشكل عام.
تركّز الأرباح في أيدٍ قليلة
لهذا السبب، كان تقرير صحيفة وول ستريت جورنال الصادر في وقت سابق من عام 2026، والذي أشار إلى أن 67% من جميع الأرباح على منصة بوليماركت Polymarket تذهب إلى 0.1% فقط من الحسابات، ملفتاً للنظر بشكل كبير. فقط نسبة صغيرة جداً من المشاركين، وتحديداً أولئك الذين يمتلكون رأس مال ضخماً أو معلومات ممتازة، هم من يمكنهم الفوز باستمرار على هذه المنصة. وقد يكون الرد السريع على ذلك أن “الأحمق وماله سريعا الفراق”، لكن لدينا سابقة حديثة جداً لسلوك مشابه تماماً، حيث يمكن للمشاركين المهيمنين في سوق محدود أن يتفوقوا باستمرار على الآخرين، ونعرف جميعاً ما كانت النتيجة.
دروس من سباقات الخيل
هذا السيناريو حدث بالفعل في الولايات المتحدة مؤخراً مع استخدام مجموعات المراهنات لتقنية المراهنة المحوسبة (CAW) في مضامير سباقات الخيل. فقد أثبتت المعالجة الفائقة للمعلومات، والأفضلية في تنفيذ الأوامر، والحسومات على حجم التداول، أنها مربحة جداً لمن يستخدمون هذه الطريقة. وتتفاقم المشكلة بحقيقة أن المراهنة على سباقات الخيل الأمريكية تستخدم نظام “توتو” (المجمع الرهاني)، بدلاً من المراهنة المباشرة ضد شركة مراهنات، مما يزيل عنصر التداول المباشر بين الأطراف الذي يمكن أن يكون بمثابة “قوة دافعة للعدالة”. ومع ذلك، عندما أصبح مشهد المراهنات على الخيل في أمريكا أكثر انحيازاً لجهة واحدة، انخفضت المراهنات التقليدية بشكل حاد، بعدما أدرك المشاركون العاديون أن تحقيق أي أرباح أصبح أكثر صعوبة. هذا الوضع أصبح الآن غارقاً في نزاعات قانونية ودعاوى جماعية، كما انخفضت رهانات المراهنة المحوسبة بشكل ملحوظ أيضاً، لكن كل هذا يقدم لنا رؤية قيمة حول ما يحدث عندما يُترك السلوك “المؤسسي” دون رقابة في الأسواق محدودة المشاركة.
هل تسير أسواق التوقعات في الاتجاه نفسه؟
بالتأكيد، مع مسارها الحالي، تبدو أسواق التوقعات متجهة نحو نفس الوجهة؟ التقنية المتاحة لكبار المستثمرين تتحسن يوماً بعد يوم، وكذلك فهمهم للسلوك البشري. والأكثر من ذلك، بما أن أسواق التوقعات تعمل حالياً في بيئة تشبه “الغرب المتوحش”، دون تنظيم واضح أو قواعد فعالة، فإن التلاعب بالأسعار أصبح سهلاً للغاية. سواء كان ذلك من خلال غموض الأصول الأساسية، أو من خلال إرسال مشغلي السوق رسائل صريحة للمستخدمين بأن صفقة معينة مسعّرة بشكل خاطئ (بحجة أن هذا تسويق للمحتوى وليس تحليلاً)، فمن الصعب رؤية كيف تعكس هذه المنتجات الأسواق المالية التقليدية أو هياكل الترويج المالي التي تطورت حتى الآن. يمكن لأسواق التوقعات أن تخدم غرضاً حيوياً على مستوى التداول المباشر بين الأطراف، حيث تسمح بوضع أي نوع من الرهانات بعيداً عن البورصات التقليدية ولكن بطريقة منضبطة. في المقام الأول، يجب أن تخدم هذه الأسواق البائع والمشتري، مع حصول السوق على حصته العادلة من العمولات أثناء المعاملة. لكن عندما تتحول إلى مقامرة أحادية الجانب، حيث يراهن الأفراد ضد مزودي سيولة مجهولين بأسلوب “صناديق التحوط” ومدعومين بترسانة معلوماتية متنامية باستمرار، فإن هذه اللعبة ستكون قصيرة العمر.
خطر فقدان المتداولين الأفراد
وكما يوضح لنا مثال مراهنات الخيل، فإن السوق الفردية ستنسحب عندما تصل كفاءة الطرف المقابل إلى مستوى يجعل الفرصة غير جذابة للغاية. بدلاً من الجدال حول ما إذا كان هذا مقامرة أم تمويلاً، ربما السؤال الذي يجب طرحه هو: هل يشبه هذا المفهوم بأي شكل من الأشكال سوقاً عادلاً؟ ضمان أن تتصرف هذه الهياكل مثل الأسواق الحقيقية، مع وجود قدر كافٍ من الاحتكاك المعلوماتي الذي يحفز فعلياً على اكتشاف الأسعار ويكافئ آراء المتداولين الأفراد، هو أمر حيوي لازدهارها وبقائها على المدى الطويل.
الأسئلة الشائعة
س: ما هي أسواق التوقعات (Prediction Markets)؟
ج: هي منصات تسمح للأشخاص بالمراهنة أو التداول على نتيجة أحداث مستقبلية، مثل نتائج الانتخابات أو الأحداث الرياضية، حيث يشتري المشاركون “توقعات” بسعر يعكس احتمال حدوث هذا الحدث.
س: لماذا تعتبر تركز الأرباح في أسواق التوقعات مشكلة؟
ج: عندما تستحوذ نسبة ضئيلة جداً من الحسابات (مثل 0.1%) على معظم الأرباح، فهذا يعني أن السوق يتحول لصالح كبار المستثمرين والمطلعين فقط، بينما يخسر المتداولون العاديون باستمرار، مما يدفعهم للانسحاب من السوق تماماً كما حدث في مراهنات سباقات الخيل.
س: ما الذي يجب فعله لضمان استمرار أسواق التوقعات؟
ج: يجب أن تعمل هذه الأسواق كسوق حقيقي يخدم المشترين والبائعين بالتساوي، مع قواعد تنظيمية واضحة تمنع التلاعب بالأسعار، وتوفر شفافية كافية، وتحفز على اكتشاف أسعار عادلة تكافئ معرفة وآراء جميع المتداولين وليس فقط كبار اللاعبين.












